مانيا الخطيب / خواطر عن سورية وسفاراتها قبيل الطوفان
في عام 2007 أعطى علي فرزات، فنان الكاريكاتير العالمي التي تفخر أي أمة بأن ينتمي إليها، تصريحاً لافتاً لصحيفة الـ”نيويورك تايمز”.
“الشهيد الحي” فرزات، الذي يتعافى حالياً من كدماته المروعة بعد الهجوم الوحشي عليه على خلفية رسومه اللاذعة التي يعري فيها ممارسات الحكومة السورية تجاه المتظاهرين السلميين في ثورة الكرامة والمواطنة، قال في تصريحه ما معناه “أن الحكومة السورية إن لم تبادر إلى إجراء إصلاحات حقيقية….فالطوفان قادم”
علي فرزت يعيش بين الناس ومعهم، يعرف نبض الشارع وهموم الناس، يرى بعين المبدع تفاصيل عميقة جعلته يعرف ما هو قادم، تماماً مثلما استشعر المبدع زياد الرحباني الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت في 75 في مسرحية “نزل السرور” التي عرضت عام 73 … مع ذلك فكيف كانت تسير الأمور حتى اللحظة التي خطَ فيها أطفال درعا كلمتهم التاريخية على الجدران “الشعب يريد اسقاط النظام”..”؟ ما الذي كان يدور على السطح؟
لنعد قليلاً إلى الوراء حين تسلّم بشار الأسد الحكم وريثاً لأبيه بعد مسرحية تغيير الدستور المخزية، قال بعض الناس “هذا شاب طبيب، وكان يدرس في الغرب”.. وما إلى ذلك.
أتذكر أنني في صيف 2000 شاهدت وسمعت تصريحاً في التلفزيون لآرييل شارون يقول فيه أنه سعيد لأن الحكم في سورية سيؤول إلى بشار الأسد فهو شاب ومنفتح على الغرب. وكان بشار الأسد في بداية عهده يحاول حقاً إظهار نفسه أنه قريب من الناس ويحب أن يحيط نفسه بالفنانين والمثقفين، حسب رواية الفنان علي فرزت نفسه على قناة “العربية”، قبل فترة قصيرة فقد قال أن بشار الأسد وزوجته كانا . صدّق ذلك كثيرون، حتى الفنانة مي سكاف، التي عانت الأمرين مؤخراً من بطشه بسبب انحيازها للثورة …
بدأت الناس بالانتظار، ولأن الشعب السوري طيب ومسالم ويحب الحياة ويتكيف مع أقسى الظروف، له خبرة عريقة في إختراع العيش رغم المحن، طال الانتظار ..
في هذه الأثناء كان كل شيء يبدو لمن هم خارج سورية مسليّاً. فهذه هي المسلسلات السورية باتت الأكثر رواجاً عند العرب في كل مكان، وهذه المسلسلات التركية المدبلجة باللهجة السورية التي أمنّت فرصاً لكثرة من الفنانين العاطلين أو شبه العاطلين عن العمل نالت هي الأخرى نصيبها من المتابعة و”الإعجاب” ..
ومهرجانات هنا وهناك …
وبرنامجا “خبِّرني يا طير” و”البلد بلدك” على التلفزيون السوري يغازلان المغتربين ويغريانهم بالزيارة والاستثمار في سورية بإيهامهم “أن زمان أوّل تحوّل” .. و”أن البلد بألف خير”، وماذا يريد المغتربين أكثر من أن يذهبوا في عطلهم لمقابلة أهاليهم وحضور أعراس أقاربهم وأن “يجخّوا” ويفرفشوا في أجواء سورية التي تضج بالحياة، إذا ما كان كل شيء يدور بعيداً عن أقبية التعذيب وفروع المخابرات؟
وأسس أهل النظام وزارة للمغتربين لأنهم كانوا يعلمون أن أموال الاغتراب من أهم أسباب “صمود” الشعب بوجه المؤامرات، التي كان النظام نفسه في الحقيقة مصدرها أولاً وأخيراً.
تلك الأموال كانت عملياً مساعدة يرسلها ما يقارب من 20 مليون سوري مقيم في الخارج إلى ما يعادل عددهم تقريباً في الداخل تغطي معظم مناحي حياتهم.
وها هي “السيدة الأولى” أسماء الأخرس- الأسد، الحسناء الأنيقة، البريطانية المنفحتة، مهندسة الكمبيوتر، تطل على “الجمعيات الخيرية” وتتابع شؤون النساء … وتدور هي وزوجها في زيارات “ودية” مفاجئة هنا وهناك. وكل هذا، بينما الآلة العسكرية المغسولة الدماغ، وبالأخصّ الفرقة الرابعة، تصول وتجول “بعيداً” عن هذه المشاهد الرومانسية ..
لقد صدرت قبل بضع سنوات قرارات حكومية تسمح بعودة من يرغب بالعودة إلى سورية من السوريين، حتى لمن كان يعتقد نفسه مناضلاً ملاحقاً ممنوع من دخول الأراضي السورية لأن تقريراً أعد عنه وصار اسمه مسجلاً على الحدود.
هذه الفكرة، كانت لغماً انفجر بكثيرين من قبل لدى وصولهم مطار دمشق الدولي، وأصعب مثال على ذلك نقرأه في رواية “القوقعة” للكاتب مصطفى خليفة عن الظلم الذي ما بعده ظلم والثقة المعدومة كلياً بين النظام العائلي المافيوي وبين الشعب السوري في كل أنحاء المعمورة.
ومن وحي صيفيات المغتربين السوريين عن مرحلة ما قبل الطوفان، روى لي أحدهم نكتة عن أن الناس صارت تحجز وقت وفاتها في شهر تموز (يوليو) من كل عام حتى يستطيع الأقارب حضور مأتمهم لأن ذلك الشهر هو شهر التقاء المغتربين على الأراضي السورية.
عودة زمنية إلى الوراء قليلأ. بعيد غزو العراق، مرّ نظام الأسد بهزة عنيفة، بل بدأ الحديث عن أنه بعد سقوط بغداد تعد أمريكا العدة لضربة حتمية لسورية. وأتذكر رسماً كاريكاتيرياً لبوش وهو يلعب الغولف وحفر اللعب مكتوب عليها بالتسلسل أفغانستان، العراق، سوريا..
لكن ذلك لم يحدث، وخرج النظام منها مزهواً مصوراً نفسه على أنه “قلعة صامدة” في وجه الإمبريالية. ولكن سرعان ما وقع الزلزال الأعنف الذي بدأ الناس يحلمون بعده برؤية رموز النظام في لاهاي. فقد وقعت جريمة اغتيال رفيق الحريري وتفجّرت من ثم “ثورة الأرز”، … التي طحنت لبنان بعدها عاصفة هوجاء من الإغتيالات المسعورة لأهم الرموز الوطنية اللبنانية فيها..
ومن جديد مرّت الطغمة الحاكمة الفاسدة في سورية، كما يقولون، من “خرم الإبرة”. ومن يدري ماذا كان يجري في الكواليس؟ وما نحن إلا متابعو أخبار ومحاولو تقديم رأي أوفكرة أو تحليل …
وبعد حرب كلامية شعواء على نظام دمشق من زعامات لبنانية، مثل وليد جنبلاط، وصلت فيها الأمور إلى الشيطان الرجيم، انقلبت الأمور ودارت وحارت … وخرج نظام الأسد من جديد مزهواً مغروراً ينفش ريشه بحجة أنه “تصدّى للمؤامرات” بنجاح، وليس لأنه، كما أظهرت أحداث الثورة السورية الحالية، في ما بعد، أنه محميّ الظهر ومدلّل زيادة عن اللزوم… من أسياده في إسرائيل وغيرها، وهو الذي يدعي علناً وكلامياً فقط محاربتها .. بينما هو في الحقيقة يقدم لها ما لم تقدمه جميع اتفاقيات السلام التي وقعتها اسرائيل قاطبة. إنه النظام الذي حمى ويحمي حدودها الشمالية بإخلاص وتفانٍ يقصّر عنهما حتى تيودور هرتزل نفسه!
بعد كل هذا “اللعي” استقبل الأسد وودّع من جديد وليد جنبلاط وسعد الحريري وغيرهم وغيرهم، لماذا؟ وكيف؟… هكذا..! .. و”كرجت” أموره من جديد حتى بدا وكأن نظام عائلة الأسد في سورية سيحقق حلمه في الأبدية، وبدأت الناس تسلّم أمرها إلى الله وتنتظر معجزة من السماء.
ونأتي إلى عام 2010، حدثتني صديقة مندهشة متعجبة من التعامل “الحضاري غير العادي” الذي وجدته في مطار دمشق. من “رقي” إلى “ترتيب” إلى ما هنالك… حدثتني عن تفاؤلها بأن البلد يسير في طريقه إلى التطور.
في نفس ذلك العام… وبعد أن كنا نراجع السفارة السورية فقط لتجديد جواز سفر منتهية مدته، أو تسجيل مولود أو ما شابه من التعامل الإجباري… بعدما كانت السفارة تشدد علينا بأن نضع الطابع البريدي الكفيل بعودة المعاملة لأنه ليس لدى السفارة نقود حتى تلحّق على طوابع البريد..!!
قادتنا بعض النشاطات في المؤسسات الإغترابية التي لديها صلات تعاون مع مراكز أبحاث وجمعيات صداقة تنظم رحلات وثائقية إلى سورية وما إلى ذلك، لفتح باب تعامل من نوع جديد مع السفارة السورية في البلد المجاور لنا. كان تعاملهم يختلف 180 درجة عما عهدناه.
حديث عن حوار حضارات وثقافة، وسفير لطيف، أصرّ خلال زيارة قمنا بها رداً على زيارة له إلى حفل افتتاح، على حمل علبة البقلاوة والدوران بها بنفسه ليضيّفنا.
لمسنا متابعة لطلباتنا باهتمام بالغ، لدرجة المتابعة الهاتفية أحياناً، حتى أنهم في السفارة بناءً على بريد إلكتروني أرسلناه ، قاموا بتأمين مناهج تعليم لغة عربية وارسلوها على نفقتهم، ثم أرسلوا لنا بوسترات عن سورية للمشاركة بمهرجان سياحي…
يومها لم يأتوا على ذكر لا بشار ولا حافظ الأسد، ولا من يحزنون …وكنا نتعامل كأي جهة حيادية مستقلة، ونعتبر أنفسنا نتعامل مع سفارة بلدنا وليس سفارة بشار الأسد، حيث به أو بسواه كانت هنالك وثائق نفوس وتأشيرات دخول وغيرها.. يجب أن تمر عليها أعجبنا الأمر أم لم يعجبنا.
.. وصار بامكاننا مساعدة بعض المهاجرين على الحصول على تصديق لمعاملاتهم التي تتطلب تصديق من السفارة بسلاسة أكبر، مع أن أحد الموظفين قال لي مرة “كل المعلومات موجودة في صفحة الإنترنيت. الشغلي ما بدها جمعية لحتى تتابعها”. ومع ذلك نجحنا في تقديم بعض الخدمات لأناس كانت تضيع أوراقهم أو تتطلب شهور. وبالطبع، توقف التعامل كلياً بعد أن انطلقت الانتفاضة وصارت السفارة تمثل نظاماً يقتل شعبه، فاقداً كلياً للشرعية … ولتذهب جميع المعاملات الرسمية وغير الرسمية إلى الجحيم… حتى نرى سورية حرة طليقة تنفض غبار حقبة مــأساوية…
قبل هذه المحرقة البشرية المسعورة التي أجهزت على المكياج السميك الذي وصفته أعلاه، كل شيء كان وكأنه يسير باتجاه غاية أن يحكم سورية حافظ الصغير، بل ويحكم آل الأسد لولد الولد.
قطع خط الرجعة حينما وقف بشار الأسد بعد “كارثة درعا” على منبر “مجلس الشعب” وهو ويقهقه ويصهصل مثل ولد عديم التربية ليحرج أصدقاءه قبل أن يغضب أعداءه. وما كان ينقص تلك اللحظة المخزية إلا أن يصطف أعضاء “مجلس الشعب” لرقص الدبكة ورئيسهم مسرور إلى هذه الدرجة ..
قبل تلك اللحظة كان لا يزال الكثيرون يقولون، خصوصاً من أصدقائنا غير السوريين، أن الناس في سورية ليسوا ضد بشار الأسد ولكن ضد من حوله، وأن الناس يرغبون في أن تعطيه فرصة في “الإصلاح” ..
تلك اللحظة كانت “القشة التي قصمت ظهر البعير”، ذلك البعير الذي حمل على ظهره جرائم يندى لها الجبين، وقد طويت صفحاتها من دون أي محاكمة لنظام يبيع كرامته ليحكم شعباً بالقوة … ومع الأسف ما زال العالم حتى هذه اللحظة يصلي للملائكة حتى ينجح النظام ورئيسه الولد في وأد الإنتفاضة، لأنه لن يجد بسهولة بديلاً بهذه المطواعية في تنفيذ أوامر الأسياد أصحاب المصالح الإقليمية في المنطقة.
جميع من صادفتهم بعدها قالوا “فجعنا ببشار الأسد” وحدهم السوريون لم “يتفاجؤوا” !!
قالت لي صبية سورية ولدت في عقد الثمانينيات “أستغرب لماذا يثور السوريون ضد “الدكتور” بشار، فأنا قضيت فترة رائعة في عهده حيث التكنولوجيا والمعلوماتية”، مع أنها لا تكاد تعرف أسماء رؤساء قبله غير أبيه. هذه الفتاة نموذج لجيل كامل استعمل التكنولوجيا التي لم يستعملها جيل قبله، والتي جعل منها رامي مخلوف أداة لسلب الناس.
هذه التكنولوجيا نفسها هي التي قلبت السحر على الساحر، وصنعت جيلاً ثائراً سقط أمامه قناع سميك، كاد يحجب عنهم لما يقارب العقد حقبة، كان الجيل الذي قبلهم يحاول عبثاً دفن آلامها…. وحلت محل وسائل الإعلام المغيبة عن أحداث الانتفاضة الميدانية لتتحول ثورتنا في سورية إلى ثورة “اليوتيوب”








سوريا المستقبل سوريا حرة ابية
